ابن تيميه
213
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [ النساء : 166 ] فتبين أن الذي تضمّنه هو علم اللّه ، لا علم غيره ، ولو كان كلام غيره لكان مضمونه علم ذلك المتكلم . ومن قال : أنزله وهو يعلمه ؛ فقوله ضعيف ، فإنه يعلم كل شيء وليس كلامه في إثبات علمه ، ومثل هذا في القرآن مذكور في مواضع . وقد قال تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 ، 93 ] قال أبو العالية - وهو من قدماء التابعين - : خلّتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ؛ ما ذا كنتم تعبدون ، وما ذا أجبتم المرسلين . وقال تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ [ البقرة : 136 ] الآية فجمع في هذه الآية بين الإيمان بما أنزله على أنبيائه وبين عبادته وحده لا شريك له . وفي الصحيح : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في ركعتي الفجر بهذه الآية ، وبآية من آل عمران قوله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [ آل عمران : 64 ] الآية « 1 » . وهذه الآية هي التي كتبها النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى قيصر ملك النصارى في كتابه إليه وآية البقرة قد قال قبلها : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [ البقرة : 135 ] الآية . وهذا هو التوحيد ثم ذكر في هذه الآية الإيمان بما أنزل على أنبيائه ، ثم قال : قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ [ البقرة : 139 ] الآية . فأفصح في آخر الآيات الثلاث بإخلاص الدين كله للّه ، مع أن الربوبية شاملة ، والأعمال مختصة لكل عامل عمله ، والإخلاص يتناول الإخلاص في عبادته والإخلاص في التوكل عليه . وفي المأثور عن أبيّ الدرداء رواها أبو نعيم في الحلية وغيره أنه كان يقول : « ذروة الإيمان الصبر للحكم ، والرضا بالقدر ، والإخلاص للتوكل ، والاستسلام للرب » « 2 » . وهذان الأصلان ؛ توحيد الرب والإيمان برسله ، لا بد منهما ، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وهذا يتضمّن الإسلام والإيمان ، وهو الدين الذي بعث اللّه به جميع النبيين ، فكلهم كانوا مسلمين مؤمنين قائمين بهذين الأصلين . وقد بسط الكلام على مسمى الإيمان والإسلام في مواضع ، مثل شرح النصوص الواردة في الإسلام والإيمان في الكتاب والسنة وغير ذلك « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 727 ) من حديث عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما . ( 2 ) أخرجه أبو نعيم في « الحلية » ( 1 / 216 ) والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 1 / 219 / 202 ) واللالكائي في « شرح أصول الاعتقاد » ( 2 / 748 / 1238 ) ونعيم بن حماد في زيادات « الزهد » لابن المبارك رقم ( 123 ) وابن أبي الدنيا في « الرضا عن اللّه بقضائه » ( 58 ) . من طريق : بقية بن الوليد ، قال : حدّثني بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، قال : حدّثني يزيد بن مرثد الهمداني ، أن أبا الدرداء قال : فذكره . ( 3 ) وانظر كتاب « الإيمان » للمصنف ، طبع المكتب الإسلامي .